الإعجاز-البياني-في-قوله-فويل-للقاس

بواسطة:

علم البيان

علم البيان هو واحد من علوم البلاغة الثلاثة، يُشكّل مع علم البديع وعلم المعاني أقانيم علم البلاغة العربيّة، ويعني البيان من حيث اللغة الكشف والإيضاح والإظهار والمنطِق الفصيح المُعرِب عمّا في الضّمير، يقول تعالى: {هذا بيانٌ للنّاس وهُدى وموعظة للمتّقين}،[١] يقول الزمخشري في تفسيره: "أي: إيضاحٌ لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب"، وأمّا اصطلاحًا فهو علمٌ يُعرَفُ به إيراد المعنى الواحد في طرقٍ وتراكيبَ مختلفةٍ في وضوح الدّلالة عليه، وهناك نوعٌ من الإعجاز الذي وقف عليه العلماء في القرآن الكريم اسمه الإعجاز البياني، وهذا المقال سيقف على الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم.[٢]

مفهوم الإعجاز البياني

بعد الوقوف على معنى علم البيان أحد العلوم الثلاثة لعلم البلاغة العربيّة ينبغي معرفة مفهوم الإعجاز البياني قبل الحديث عن الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم، فالإعجاز البيانيّ مفهومٌ ينقسم إلى شقّين: الشّقّ الأوّل هو كلمة الإعجاز، والشّقّ الثّاني هو كلمة البيان، ولمعرفة معنى هذا المفهوم يجب تفصيل معنى الكلمتين، فالإعجاز هو نقيض القدرة، والعنى المقصود من الإعجاز هو الضّعف والقصور، والبيان هو إيراد المعنى المقصود من دون توسّع في الكلام وذلك بعبارة واضحة، وقد مرّ تعريف البيان مفصّلًا في الفقرة السابقة، وعليه فإنّ معنى الإعجاز البياني هو: اختيار الكلمات والألفاظ بدقّة، وترتيبها على نحو بديع؛ لتظهر فيها البلاغة والبيان والفصاحة على نحو يفهمه القارئ،[٣] ورحم الله فيلسوف الإسلام مصطفى صادق الرافعي إذ قال في حديثه عن الإعجاز: "وإنّما الإعجاز شيئان: ضَعف القدرة الإنسانيّة في محاولة المعجزة ومزاولته على شدّة الإنسان واتّصال عنايته، ثمّ استمرار هذا الضّعف على تراخي الزمن وتقدّمه؛ فكأنّ العالَمَ كلّه في العجز إنسان واحد ليس له غير مدّته المحدودة بالغةً ما بلَغَت؛ فيصيرُ من الأمر المُعجز إلى ما يشبه في الرّأي مقابلة أطول الناس عمرًا بالدّهر على مداه كلّه، فإنّ العمرَ دهرٌ صغيرٌ، وإنّ لكليهما مدّة في المَعْمَرِ هي من جنس الأخرى؛ غير أنّ واحدةً منها قد استغرقت الثّانية، فإن شاركتها الصّغرى إلى حدّ فما عسى أن يشركهما فيما بقي"، وبعد الوقوف على حقيقة الإعجاز وبسط القول فيه بقي أن تقف الفقرة القادمة مع الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم.[٤]

الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم

بعد الوقوف على علم البيان ومفهوم الإعجاز البياني بقي أن تقف هذه الفقرة على الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم، ويلٌ للقاسية قلوبهم آية في القرآن الكريم في سورة الزُّمَر، والآية كاملة تقول: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}،[٥] فيرى الإمام العلّامة محمّد الطّاهر بن عاشور -رحمه الله- صاحب تفسير التّحرير والتّنوير في تفسيره لهذه الآية أنّ وجه الإعجاز فيها جاء من عدّة طرائق منها أنّ الله -تعالى- قد أجمل سوء حال أولئك القوم بما تدلّ عليه كلمة ويل من بلوغٍ لأقصى درجات التّعاسة والشّقاء،[٦] ولعلّ تنكير كلمة ويل وعد مجيء النّداء قبلها زاد من وصف حال القوم؛ فالويل لفظٌ دالٌّ على الشّرّ والهلاك، ولم يُسمع له فعل،[٧] والقاسية هي التي تتّصف بالغلظ والقسوة في الحال، والمعنى الأصلي للقسوة تتّصف به الأجسام عادة، ولكنّها هنا استعيرت للقلوب لغرض؛ وهو قلّة تأثّر العقل بما يُلقى عليه من المواعظ وبما يُسدى له من نصائح، ثمّ جاء ختام الوصف مع "مِن"، وهو حرفُ جرٍّ يمكن حمله على معنيين بحسب ابن عاشور؛ فإمّا أن يكون معناها التّعليل، فيكون معنى الآية: القاسية قلوبهم لسماعهم ذكر الله، وإمّا أن يكون معناها ابتداء الغاية؛ أي: القاسية قلوبهم ابتداءً من سماع ذكر الله تعالى، والمقصود بذكر الله هنا القرآن الكريم، وفي نسبته إلى الله -تعالى- زيادة في التّشريف، ثمّ جاء التّذييل في هذه الآية ليجيب السّامع عن سؤال قد يدور في ذهنه فيقول: كيف أنّ ذكر الله قد يسبّب قساوة في القلب، فتكون الإجابة بهذا الاستئناف البيانيّ في القول: {أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}،[٥] وهو خير جواب يمكن أن يسمعه المتسائل عن حال أولئك القوم الذين قست قلوبهم من بعد كفرهم {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}،[٨][٦] وختامًا يقول مالك بن دينار رحمه الله: "ما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوةِ قلبٍ، وما غضِبَ الله -عزّ وجلّ- على قومٍ إلّا نزَعَ منهم الرّحمة"، والله -تعالى- أعلى وأعلم.[٩]

المراجع[+]

  1. سورة آل عمران، آية: 138.
  2. أ. د. عيسى علي العاكوب (2017)، المفصّل في علوم البلاغة (الطبعة الأولى)، حلب: مديريّة الكتب والمطبوعات الجامعيّة، صفحة 375. بتصرّف.
  3. "الإعجاز البياني في السنة النبوية"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 28-01-2020. بتصرّف.
  4. مصطفى صادق الرافعي (2003)، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية (الطبعة الثالثة)، صيدا: المكتبة العصرية، صفحة 117.
  5. ^ أ ب سورة الزمر، آية: 22.
  6. ^ أ ب "التحرير والتنوير - سورة الزمر - قوله تعالى فويل للقاسية قلوبهم"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 28-01-2020. بتصرّف.
  7. "التحرير والتنوير - سورة البقرة - قوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 28-01-2020. بتصرّف.
  8. سورة البقرة، آية: 74.
  9. "تفسير البغوي - تفسير سورة الزمر - الآية 22"، www.quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 28-01-2020. بتصرّف.

مواضيع ذات صلة بـ

أعراض-نقص-فيتامين-B5

. فيتامين B5 . مصادر فيتامين B5 . فوائد فيتامين B5 . أعراض نقص فيتامين B5 فيتامين B5 فيتامين B5 أو ما يُسمّى أيضًا بحمض البانتوثنيك هو واحدٌ من

ما-هي-أعراض-الدوالي-؟

الدوالي يعرف مرض الدوالي بأنَّه كبر حجم الأوردة وانتفاخها وتظهر هذهِ الحالة غالبًا على الساقين والقدمين عندما لا تعمل الصمامات في ال

طريقة-عمل-الكريب-الحلو-بالموز

الكريب الحلو يعد الكريب من المعجنات المفضلة والمحببة عند الكبار والصغار، ويتميز بسهولة تحضيره، كما يعتبر وجبة مغذية ومفيد جدًا لجسم

أين-يوجد-اللؤلؤ-الطبيعي

اللؤلؤ الطبيعي اللؤلؤ الطبيعي عبارة عن جسم صلب متلألئ، وللإجابة على سؤال أين يوجد اللؤلؤ الطبيعي؟ لا بدّ من التعرف أكثر على تكوين الل

علاج مرض السكر بالماء

. مرض السكر . أعراض مرض السكر . مضاعفات مرض السكر . علاج مرض السكر بالماء . علاج مرض السكر بالطرق الأخرى مرض السكر تتكون أنسجة الجسم وعضل

شرح درس حجم المكعب

محتويات 1 تعريف حجم المكعب 2 قانون حجم المكعب 3 مساحة الوجه 4 محيط الوجه 5  خطوات حل مسائل المكعب 6 أولا طول الحرف 7 بعض الأمثلة علي حجم ال

طريقة-علاج-خشونة-الشعر-بعد-الصبغة

. الشعر التالف . طريقة علاج خشونة الشعر بعد الصبغة . ماسك الزيتون . ماسك الأفوكادو . قواعد العناية بالشعر المصبوغ . ماسكات طبيعية للشعر ا

شعر-عن-عزة-النفس

عزة النفس تعتبر عزة النفس من الأشياء التي يفتخر بها الجميع ويعتبرونها من أهم صفات اكتمال الشخصية والرجولة والأنوثة على حدٍ سواء، وهي